زكريا القزويني
446
آثار البلاد واخبار العباد
كسكر ناحية بين واسط والبصرة على طرف البطيحة . وهي نيف وثلاثون فرسخا في مثلها . وهذه البطيحة كانت قرى ومزارع في زمن الأكاسرة . وكان لها بثق ، ففي السنة التي قتل فيها كسرى اضطربت الأمور وتقاعدوا عن عمارة البثوق ، وظهر الماء على تلك المواضع فصارت بطيحة ، والآن منابت القصب ومصيد السمك وطير الماء ، يتولّد فيها أشكال من الطيور غريبة وصور غريبة لم يعرفها أحد ، ولا يراها الناس كما قال تعالى : ويخلق ما لا تعلمون . فأسفلها ميسان وأعلاها كسكر ، وربّما فصل المركب في هذه البطيحة شهرا أو أكثر ، وربّما يأخذه اللصوص . ويجلب من كسكر الرزّ الجيّد والسمك الشبوط والجواميس والفراريج ، والجدي والبطوط والبقر والصحناة والربيثي ، فإن هذه الأشياء بكسكر فاقت أنواعها في غيرها . كشم قرية من رستاق بشت من أعمال نيسابور ، كانت بها سروة من غرس كشتاسب الملك ، لم ير مثلها في حسنها وطولها وعظمها ، وكانت من مفاخر خراسان . جرى ذكرها عند المتوكّل فأحبّ أن يراها ولم يقدّر له المسير إلى خراسان ، فكتب إلى طاهر بن عبد اللّه وأمره بقطعها ، وحمل قطاع جذعها وأغصانها إليه على الجمال لتنصب بين يديه حتى يبصرها ، فأنكر عليه ذلك وخوّف بالطيرة فلم تنفع السروة شفاعة الشافعين ، وحكي ان أهل الناحية اجتمعوا وتضرّعوا وقدّموا مالا على إعفائها ، فلم ينفع فقطعت وعظمت المصيبة لمن حولها ، وارتفع الصياح والبكاء عليها فلفّوها في اللباد وبعثوها إلى بغداد على الجمال ، فقال عليّ بن جهم :